الأحد، 29 مارس 2009

الفن يحاول إصلاح ما أفسدته السياسة


إنها فترة لاهبة الحرارة بعد ظهر أحد أيام شهر حزيران (يونيو)، حيث تصل درجة الحرارة إلى أكثر من 40 درجة مئوية، غير أن جمهورا ضخما يحتشد في ميدان السباق لإحياء حفل موسيقي في الهواء الطلق. ويقف أبا زر حامد، وهو رجل نحيل يرتدي قلنسوة رمادية وجلابية بأكمام منتفخة، على منصة عالية يلوح بميكروفونه، وهو يغني ألحانا كان الجمهور يصيح بها مرحاً.
حامد هو أكثر المغنين شهرة في البلاد، ويغني الألحان الشعبية السودانية المشحونة بجرعة قوية من الموسيقى الإفريقية، وإيقاع يجعل الرجال والنساء والأطفال يرقصون على الحلبة أسفل المسرح. والمقطع الذي يجعلهم يرقصون في حقيقة الأمر هو الذي يردده الكورس، مرة تلو الأخرى: "في سودان جديد!" ويختتم الوصلة بالأغنية الأكثر شعبية المثيرة للضجيج "السلام لدارفور"، ويترك بعدئذ المسرح تحيط به جموع من المعجبين.
أهلاً بكم إلى مهرجان الضعين 2008 للفروسية والفنون في جنوب دارفور، حيث تجتمع الموسيقى، والرياضة، والأدب معاً، في محاولة لوضع نهاية لأكثر الحروب دماراً في السنوات الحديثة.
تمتد دارفور عبر سهل جاف للغاية تبلغ مساحته مساحة فرنسا، ويقع في أقصى غربي السودان، وهي الولاية الأشد فقراً. ومن بين سكانها الستة ملايين نسمة، وهم من القبائل الإفريقية والعربية، يعيش نحو الثلث في مخيمات للاجئين. وتم تشريد هؤلاء السكان نتيجة الصراع الذي بدأ عام 2003، وأودى بحياة نحو ثلاثمائة ألف شخص، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة (تقول الحكومة السودانية أن العدد عشرة آلاف شخص).
مهرجان الضعين الذي يستمر ثلاثة أيام، فكرة ابتكرها وليد ماديبو، وهو أرستقراطي من قبيلة الرزيقات العربية في دارفور. وأراد به أن يجمع القبائل المتحاربة معاً، وهي قبائل تلتقي في حبها للخيول والموسيقى، وقال إن الإداريين البريطانيين في عهد الاستعمار البريطاني للسودان، خلال عشرينيات القرن الماضي، هم الذين أحيوا "الزفة"، وهي تجمع تقليدي يلتقي فيه البقارة (قبائل بدوية عربية ترعى الماشية) لحل خلافاتهم. ويعتبر مهرجان الضعين زفة حديثة الطراز، تتضمن مزيجاً من الشعر، والموسيقى، والموسيقى الشعبية.
والمهرجان طريقة ذكية للتواصل مع أعداد كبيرة من السكان في منطقة لا تتاح لمعظم سكانها فرصة الوصول إلى صحيفة، أو تلفزيون، أو راديو. وهو أيضاً تعريف بشخصيات دارفور، بمن فيهم الممثلين الأعلى منصباً – النظار، والملاك، والمخدومين، والعمد، والشيوخ – من القبائل العربية كالرزيقات، والإفريقية كالفور والزغاوة.
والحضور من كبار الشخصيات الذين يبلغ عددهم نحو 300 شخص، حضروا بطائرة مستأجرة، ويجتمعون يومياً في ندوات رسمية لمناقشة القضايا المثيرة للنزاع، مثل الأمن وملكية الأراضي، التي تقع في قلب الصراع. في بداية الأمر، أثارت الحرب القبائل العربية البدوية ضد القبائل الإفريقية المستوطنة، لكنها تصاعدت منذ ذلك الحين لتصبح شيئاً أكثر تعقيداً وغير قابل للحل. وخلال محادثات السلام الفاشلة التي عقدت في أبوجا عام 2006، كان عدد قليل فقط من حركات التمرد يجلس إلى طاولة المفاوضات. أما الآن، فهناك قرابة 30 مجموعة متمردة ناشطة.
إن عقد مهرجان فني واحد في دارفور غريب بما فيه الكفاية، غير أن مهرجان الضعين لا يمثل حدثاً منفصلاً، إذ عقد أول مهرجان فني في دارفور في تشرين الأول (أكتوبر) 2006. وأخذ المهرجان أسمه "عافية دارفور"، من التحية المحلية "عافية". وكان المهرجان يهدف من خلال مسرح الشوارع، والفكاهة، والموسيقى، والرياضة إلى دعم وترويج اتفاقية سلام دارفور 2006 التي انفرط عقدها بالفعل. وتم تكراره، مرة أخرى بترحيب واسع النطاق، في تشرين الأول (أكتوبر) 2007. وثمة أمل بأن يعقد هذا العام أيضاً – على الرغم من أنه في ضوء اتهام محكمة الجنايات الدولية أخيراً للرئيس السوداني عمر البشير بالإبادة الجماعية، فإن هناك بعض الشكوك في ذلك.
إن عقد أي نوع من المهرجانات في السودان، وهو أكبر بلد إفريقي، أمر صعب للغاية. فبالنسبة لمهرجان "عافية دارفور"، كانت الإمدادات اللوجستية مثبطة للهمة. وتعين إحضار أكثر من مائة فنان، وممثل، وموسيقي، وشخصيات تلفزيونية، بالطائرة وإعطاؤهم التسهيلات الملائمة، التي تعثر المنظمون في إيجادها.
وفي مهرجان العام الماضي، قدم المسرح القومي في أم درمان، وهو المؤسسة المسرحية الرائدة في السودان، 27 عرضاً في الساحات العامة، جرت خلالها رواية القصص التي تشجع الجمهور على حل المشاكل، مثل إدارة المياه والصراعات القبلية الداخلية. واجتذبت عروض مسرح العرائس التي تتمتع بشعبية واسعة النطاق في المدن ومخيمات اللاجئين، جماهير تقدر بنحو 40 ألف شخص.
يقول إمام حسن، وهو مخرج تلفزيوني ترأس فعاليات الأطفال في المهرجان: "أطفال دارفور يختلفون تماماً عن أي أطفال في أي مكان آخر. إنهم ينشأون في بيئة مليئة بالحرب والصراعات القبلية. كما أنهم متشككون في الغرباء، ولغتهم أكثر جرأة ونضجاً. لقد فقدوا براءتهم. ونحن نحاول أن نجعلهم ينسون الحرب والصراع القبلي لضمان وجود مجتمع صحي، وأكثر تسامحاً، ومسالماً، في السنوات المقبلة".
واجتذب مهرجان "عافية دارفور" قرابة 400 ألف شخص إلى العروض المختلفة المجانية التي جرت خلال حدث استمر لفترة أسبوعين. وتتولى تنظيم المهرجان فرقة "عقد الجلاد"، الفرقة الموسيقية الأكثر شهرة في السودان، بالاشتراك مع "ألباني أسوشيتس"، وهي شركة اتصالات بريطانية تم التعاقد معا للمساعدة في حملة المعلومات العامة لبعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الإفريقي في دارفور.
ويقول سيمون هاسلوك، مدير ألباني: "أردنا المساعدة في إعادة تأسيس العادات التقليدية، لتوفير الفضاء الثقافي الذي يمكن من خلاله لمواطني دارفور عن يعبروا عن خلافاتهم ويعالجوا مشاكلهم".
وعقد الجلاد هي فرقة كبيرة بأعضاء يتغير معظمهم على الدوام، وتراوح أعمارهم بين منتصف العشرينيات إلى منتصف الخمسينات، وتعتبر مؤسسة وطنية في السودان. وتغني الفرقة القصائد الطويلة، وتعزف مزيجاً من الموسيقى الشعبية، والغريبة، والجاز، مطعمة بالموسيقى الشعبية الشائعة. وتميل كلمات الأغاني إلى أن تكون روحية، وواعية اجتماعياً.
إحدى أكثر الأغنيات شعبية – وطولاً – هي أغنية "حاجة آمنة"، وهي أغنية تدور حول امرأة عجوز فقيرة، غير قادرة على دفع فواتيرها، وترمز إلى إهمال الحكومة. ثم هناك أغنية "وفي كل مرة نفكر فيها"، التي تقول سطورها الافتتاحية، "وفي كل مرة نفكر فيها أنه الفجر، يستمر الليل"، وهي تلخيص للعالم الهزيل للسياسة السودانية.
لسنوات عديدة، كانت فرقة عقد الجلاد تدير منظمة غير حكومية تدعم مشاريع الصحة والتعليم، وتجمع الأموال، وتشارك في أنشطة جعلتها تدخل وتخرج من السجن على مرر السنين. وخلال الحرب الأهلية التي مزقت البلاد إرباً منذ عام 1983 وحتى عام 2005 – الشمال ضد الجنوب – قدمت الفرقة على المسرح أيضاً في الجنوب عروضاً موسيقية تروج للمصالحة. وكانت الفعالية الرئيسية الطبيعية في مهرجان "عافية دارفور" الأول. ولأنها ظلت مهملة تقليدياً من قبل الحكومة، ولأنها خارج الخريطة الثقافية وبعيدة عن اهتمامات معظم الفنانين في الخرطوم، لم تشهد دارفور حدثاً مثل ذلك. وكان الشعور بالصدمة الثقافية عميقاً. ولم يصدق المعجبون المتفانون تماماً أن فرقة عقد الجلاد على مرأى من نظرهم.
في الليلة الأولى من مهرجان الضعين لهذا العام، ساد الاعتقاد المحموم ذاته، عندما اعتلى المغني النجم عبد الرحمن عبد الله المسرح. وهو رجل بدين يغني بصوت رخيم، ومن ولاية كردفان المجاورة، وهو معروف على نحو محبب بأنه "فرانك سيناترا غرب السودان". وصعد زعماء القبائل المسنون المسرح وهم يعرجون ويحملون عصيهم عالياً تحية له. واندفعت النساء والأطفال إلى الأمام للرقص أمامه ولفت انتباهه.
يأتي تالياً على القائمة الشاعر والناشط المعروف محمد طه القدال، وهو شخصية لطيفة ودودة. ويقرأ قصيدة طويلة يشبِّه فيها أهل السودان بالنيل، الذي يتكون من نهرين يلتقيان معاً في نهر واحد، عندما يتحد النيل الأزرق والنيل الأبيض معاً في الخرطوم. ويشير التصفيق الذي يستمر مطولاً إلى ضجر وضيق بالمتصلبين ممن يحملون السلاح. وثمة تنهدات تصدر عن ذوي اللحى البيضاء في الصف الأمامي تقول "يا سلام".
يعتبر المانحون الدوليون أن المهرجانات ذات قيمة جيدة. وتبلغ تكاليف مهرجان "عافية دارفور" نحو ثلاثمائة ألف دولار، وفقاً لألباني أسوشيتس - وتمثل جزءاً من الميزانية البالغة 1.28 مليار دولار التي تمت الموافقة عليها لبعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة – الاتحاد الإفريقي "يوناميد" في دارفور لعام 2007/2008. لكن إلى أي حد تعتبر المهرجانات فاعلة في تعزيز السلام؟ وهل هو أمر واقعي – أو حتى عادل – توقع أن تظهر هذه الفعاليات نتائج ملموسة في صراع مستمر؟ أم هل يجب عليها ببساطة أن تعتبر جيدة جوهرياً في حد ذاتها، وتوفر فترة من الراحة لسكان غارقين في الحرب؟
في فصل الصيف هذا، أمضيت ثلاثة أشهر في دارفور والخرطوم، وأنا أعمل مع ألباني أسوشيتس مستشار للاتصال لصالح "يوناميد". في بداية الأمر، تساءلت ما إذا كانت الأحداث الثقافية تستطيع أن تلعب دوراً في حل صراع عسكري يجري منذ فترة طويلة ومتجذر في الظلم التاريخي. ومما لا شك فيه أنه السبيل الوحيد للمضي قدماً.
كانت هناك بعض الإشارات الإيجابية. وأشار الزملاء إلى الانخفاض الفوري في معدل الجريمة الذي تزامن مع مهرجان "عافية دارفور" الأول. وتخلق المهرجانات أيضاً رابطة حيوية بين الخرطوم ودارفور المهملة منذ أمد طويل. ويعتقد الشاعر القدال أن هذه الفعاليات الثقافية مهمة بشكل كبير للمساعدة في شفاء مجتمع منقسم. ويقول: "القاعدة هي أن جميع هؤلاء السكان والمجموعات العرقية يعيشون معاً. والثقافات مترابطة. وما تفعله المهرجانات الثقافية والمفكرون، هو وضع هذه القاعدة – التي أصبحت شذوذاً – على الطريق الصحيح مرة أخرى. السياسيون نجحوا فقط في تعميق الانقسام بين الثقافات".
إن توقع أن يضع عرض موسيقي واحد، أو اثنهن، نهاية لأكثر الصراعات كارثية في وقتنا الحاضر إنما هو أمر يخطئ الهدف. فمن غير المنطقي التفكير في أن العروض الفنية يمكن أن تغير الحرب، حسبما يوافق نصر الدين، مدير عقد الجلاد الذي يتمتع بشخصية آسرة. وبالنسبة لمهرجان العام الماضي، أدت عادت الفرقة عرضين في الفاشر، وعرضين في الجنينة، عاصمة غرب دارفور، وموطن بعض أسوأ الصدامات، حيث كان المتمردون يعبرون إلى داخل تشاد وخارجها تحت وابل نيران القوات الجوية السودانية.
ويوضح نصر الدين: "لا أحد يتوهم أن الغناء حول السلام سيجلب السلام، لكنه أوجد هذه الحالة المغايرة لأسبوعين، الأمر الذي أعطى فكرة حول كيف يمكن للسلام أن يبدو. وكانت الرسالة هي أنه إذا استطاع السكان وقف القتال عندما كانت عقد الجلاد في المدينة، بإمكانهم إيقافه عندما لا نكون فيها".
بعد النجاح الصاخب لمهرجان الضعين في حزيران (يونيو)، ومهرجانات "عافية دارفور" في السنتين الماضيين، يأمل الكثيرون في أن تصبح المهرجانات ثوابت دائمة في الأجندة. ويقول وليد ماديبو: "نعتقد أن هذه الفعاليات التي تجمع القادة التقليديين معاً دون تدخل السياسيين، تمثل الطريقة المثلى للمضي قدماً من أجل دارفور. إننا مصممون على مواصلتها".
لكن العنف أصبح أسوأ في الأشهر الأخيرة، كما أن المناخ السياسي مسموم. ويتساءل الكثيرون ما إذا كان سيسمح لمهرجان "عافية دارفور" لهذا العام بأن يعقد. فمن المحتمل أن وجود أعداد كبيرة من الناس في مكان واحد يشكل وضعاً متفجراً.
إنه اليوم الأخير من المهرجان في الضعين. وفي صباح آخر شديد الحرارة، ثمة مشهد مثير يسدل الستار على ختام الاحتفال. ناظر (شيخ) قبيلة الرزيقات قدم حصانا رائعا هدية إلى نظيره زعيم قبيلة الفلاتة، رمزا للصداقة. ويحييه أتباع الشيخ المسن، وهم يلبسون الجلابيات البيضاء والأوشحة الحمراء، لدى قيادة الحصان حول المكان، وتحتشد حوله من كافة الجوانب الجماهير المبتهجة.
يقول منظم المهرجان ماديبو، إن القادة المحليين يدركون الآن أنهم إذا اتحدوا ووقفوا بثبات، يمكنهم "تغيير الحالة الراهنة دون طلب موافقة الحكومة". ربما يكون ذلك صحيحا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق